الثلاثاء، 9 أغسطس، 2011

دور وسائل الإعلام فى مكافحة الجريمة ومظاهر العنف و مدى علاقتها بالجهاز الأمني


 أصبحت وسائل الإعلام اليوم المصدر الرئيسي للمعلومات حول الجريمة باعتبارها تكاد تكون النافذة الوحيدة  للمجتمع وقد تضاعفت نسبة الإقبال عليها   للاطلاع على المسائل المتعلقة بالجريمة والعنف وهو ما خلق جدلا واسعا حول درجة التأثير الفعلي لهذا التناول الإعلامي  على الرأي العام.
ولاشك  أن وسائل الإعلام   لها تاثيرها الإيجابي والسلبي على الرأي العام وتزداد حساسيتها خاصة فى خضم   التغيرات التي تشهدها بلادنا منذ اندلاع ثورة 14جانفي وسقوط دولة الفساد.
ومن هنا لابد ان تلعب دورها   
دعوة وسائل الإعلام فى هذا الظرف الحساس و الدقيق الى أن تلعب دورا رئيسيا في الوقاية من الجريمة والعنف،  هو من الأولويات الرئيسية لحكومتنا ,ولابد من دراسة معمقة.
 فأولا يجب أن نعرف أن مصطلح "وسائل الاعلام" لا يعد مصدر وحيد للمعلومة ولكن يشمل مجموعة من العناصر، وكل منها يتطلب تحليل خاص ,انطلاقا من الصحافة المكتوبة الى الإذاعة ، مرورا عبر القنوات التلفزية ، وصولا الى الوسائل الحديثة الرقمية كالإنترنات والمواقع الاجتماعية, و عندها نبدأ بتحديد أو تشخيص مدى تأثير نشر المعلومات المتعلقة بالجريمة والعنف على الرأي العام وكذلك أيضا على السياسات والممارسات المعتمدة فى الوقاية والعدالة القضائية.

وسائل الإعلام ، حاجزا أمام سياسات الوقاية من الجريمة والعنف

فى اطار جمع ونشر المعلومات عن الجريمة، وجهة النظر التي تقدمها وسائل الإعلام في بعض الأحيان لها تأثير سلبي على تطلعات  الرأي العام في هذا المجال ، ويتداخل مع تنفيذ الاستراتيجيات والسياسات الرامية إلى منع الجريمة والعنف فالإعلام غير الدقيق والمنحاز يؤدي إلى اعتماد غير متناسب وضار لمكافحة الجريمة والعنف، ونقل صورة الجريمة العشوائية والعنيفة خاصة في مظاهر العنف ومن هذه الأخبار يتشكل تصور معين من الجريمة والعنف والعدالة، وهذا بدوره ينعكس في السياسات العامة وكثيرا ما توفر حلول بسيطة لمشاكل معقدة ..
و المهنيين في مجال الوقاية من الإجرام والعنف يؤكدون على ضرورة تركيز استراتيجيات على المدى الطويل، تنبنى على التشخيص الصلب مع الحرص على الترابط بين مختلف العوامل وراء الجريمة و تفاقم العنف و خاصة فى صلب الشباب . وفي هذا الصدد، التغطية الإعلامية للقضايا الاجرامية لا تفضي بالضرورة الى الوقاية من الجريمة ومظاهر العنف،ومن ناحية اخرى الصحافة المكتوبة تعطي صورة مشوهة للواقع فى مجال ظاهرة من الظواهر الاجتماعية, فوسائل الإعلام لها تأثير على الرأي العام في هذا المجال، فإذا ما اختارت لإعطاء أهمية لا داعية لها على أنواع معينة من الظاهرة بالمقارنة مع الوتيرة الفعلية للظواهر التي تم تحديدها في المجتمع حيث اتهمت وسائل الإعلام مباشرة الميل إلى إعطاء صورة غير دقيقة للظاهرة, في الواقع، في مثل هذه الحالات وسائل الإعلام غالبا ما ترتكز على الأبعاد الدرامية والعاطفية، وهو ما يفسر وقائع مختلفة تعتبر "جديرة" وذلك اعتمادا أكثر على العاطفة من الفكر وتميل إلى إعطاء الوزن الكثير من الصور السلبية لظاهرة في المجتمع.

اذن إلى أي مدى تساهم وسائل الاعلام الى التقليص من الاعمال الاجرامية و مظاهر العنف ؟

التغطية الإعلامية للقضايا الاجرامية ومظاهر العنف يمكن أن تساهم في سياسة منع تعريض المواطنين الى المخاطر
من خلال وسائل الإعلام المتعددة، فأن الجريمة وأعمال العنف تكون وقاية استراتيجية فعالة وأداة قيمة للحصول على المعلومات والتوعية حول قضايا اجتماعية معينة.
وما تعيشه بلادنا فى هذه الفترة من تدهور اقتصادي و مالي، يؤثر سلبيا على الوضع الاجتماعي وما ينجر عنه من مظاهر عنف و الأحداث الأخيرة تبرز نوعا معينا عن ظاهرة اجتماعية وهى ما يقال عنها "نزعة العروشية" ،لذا من واجب وسائل الإعلام أن تساهم فى إنارة الرأي العام عن أسباب وأنماط هذه الظاهرة مع التكثيف من حملات التوعية لتجنبها مستقبلا وتكريس الروح الوطنية لدى كافة الشعب. فيمكن لوسائل الإعلام أن تساعد على الحد من أعمال العنف أو غيرها من الأعمال الإجرامية في المجتمع ، ولا سيما ضد النساء والأطفال.

ان وسائل الإعلام يمكن أن تكون مفيدة جدا في توفير التغطية لهذه القضايا ورفع مستوى الوعي حول هذه القضايا,وفي هذا السياق فلابد من وسائل الإعلام ان تشجع الحوار مع  الأسر والعائلات وكافة المجتمع المدني، وتقديم الخدمات والنصائح للضحايا من الشباب وأسرهم بالتعاون مع الجمعيات الوطنية ،وتثقيف الجمهور على شبكة الإنترنات والمواقع الاجتماعية .
 وسائل الإعلام هي أيضا قادرة على تغيير المواقف والمعايير الثقافية وتساعد على إطلاع الجمهور على تدابير الحماية الذاتية واستراتيجيات لمنع الجريمة والعنف  بالقيام بحملات إعلامية لمنع السطو والسرقة ونشر المعلومات بشأن المخاطر المرتبطة باستهلاك المخدرات والكحول ،والاستئناس بمؤسسات عالمية  فى هذا المجال و تقديم معلومات وتحديثات منتظمة عن استراتيجيات للوقاية من هذه الجرائم وتقديم نماذج عن حالات من هذا النوع.
لذى يجب على الحكومة وخاصة الجهات الامنية والجمعيات وكافة المجتمع المدنى بتكثيف حملات إعلامية للتوعية من المخاطر المرتبطة بتعاطي المخدرات والاتجار بالمخدرات والعقاقير والأدوية ، وأيضا استهلاك الكحول مع التركيز بشكل خاص على مخاطره اثناء القيادة, فهذه الظاهرة أصبحت متفشية فى مجتمعنا وذلك لما تسببه من حوادث مرورية خطيرة وقاتلة في بعض الأحيان، هذه المبادرات تتخذ فى شكل حملات وطنية توعوية مشتركة بين كافة المتداخلين.
إن وسائل الإعلام تلعب دورا رئيسيا في تعزيز العمليات الديمقراطية. فهى في الواقع قادرة على ضمان الشفافية في المؤسسات المتخصصة في مجال الوقاية من الجريمة وندعو الحكومة و الجهات الأمنية   والقضاء ووسائل الإعلام إلى "أن يكونوا صادقين مع المواطن بشأن الجريمة والعمل لصالح المعلومات وعدم التضليل،.ويمكن لوسائل الإعلام الإشراف على مراقبة عمل الجهاز الامنى  والنظام القضائي لمكافحة التمييز والمعاملة التعسفية وتشجيع الحكومة على تنفيذ التدابير والمبادرات اللازمة.
 في نهاية المطاف، وسائل الإعلام تسهم بنشاط لزيادة الشفافية والمساءلة في عمليات صنع القرار التي تكمن وراء تطوير وتنفيذ السياسات العامة للدولة.

أخيرا : وضع سياسة اتصالية لإقامة شراكة لتعزيز الوقاية من الجريمة والعنف

يجب توفير عددا من الشروط للحكومة والجهات الأمنية والمجتمع المدني لإقامة شراكة مثمرة مع وسائل الإعلام, وأجدر طريقة للقيام بذلك هي تبني سياسة التواصل,فهذه السياسة يفترض أن الحكومة تضع إطارا لتحديد المبادئ التي تنطبق على أسس دور المسئول عن الاتصال في الحكومة والجهات الأمنية ووسائط الإعلام، فضلا عن العلاقات بينهما بإنشاء مع مختلف ممثلو وسائل الإعلام شبكة اتصالات، للمساعدة فى تبادل المعلومات والتدريب .
اعتماد سياسة التواصل يتطلب أيضا إلى تغيير المواقف داخل المجتمع المدني والحكومة لتعزيز الانفتاح والتفاعل النشيط مع وسائل الإعلام, وهو ما وقع تجسيمه من طرف وزارة الداخلية بفتح صفحة على الموقع الاجتماعي للتواصل مع كافة الشرائح من المواطنين وتقديم المعلومات الضرورية في ما يتعلق بنشاط الوزارة ودورها في مكافحة الجريمة . فالهدف من سياسة اتصالية هى إقامة شراكة بين وسائل الإعلام والمجتمع المدني والحكومة ، وهذه الشراكة هي نفسها القائمة على عمليات محددة :
 أولا، في حدود الحرية الديمقراطية والنظام والتعددية في وسائل الإعلام وهي الحاسمة لأنها ضمان تنوع الآراء والمعلومات، وبعبارة أخرى وجود التفكير النقدي.
 ثانيا، الحكومة والجهات الأمنية فى حاجة إلى تحديد استراتيجيات للتنفيذ على المستوى الوقاية من الجريمة والعنف، ودمج تصميم هذه الاستراتيجيات هو الدور الذي يمكن أن يلعبه الإعلام لضمان هذا التعاون، ويمكن للحكومة والمنظمات والجمعيات غير الحكومية، على سبيل المثال، دعوة الصحفيين للمشاركة في المناسبات العامة واجتماعات الجمعيات لتعزيز حضور الصحافة والمشاركة في مبادرات لمنع الجريمة والعنف.
 ويجب على الحكومة إنشاء هذه العلاقة والحفاظ عليها مع وسائل الإعلام ,وهي علاقة التي لا تقتصر على استخدامها بوصفها مجرد" أداة تسويق " لتمجيد مزايا سياسة الحكومة .
في إطار هذا المشروع، يعمل المجتمع المدني وجهاز الأمن بشكل وثيق مع وسائل الإعلام لتحسين الوضع.وقد تدفع هذه الشراكة وسائل الإعلام لتغطية حالات الجرائم المسجلة على الصعيد الوطني ووضع المزيد من الضوء على أفضل السبل وتساعد هذه الإستراتيجية تعزيز الترابط بين المواطن والجهاز الامنى  والثقة بين الطرفين. وهذا يثبت فعالية الشراكة من أجل فتح حوار، من أجل تشجيع العمل الجماعي لتعزيز الصحافة في نشر المعلومات .

   حاتم الحاج يحيى                                                                                                                                                                                                                                                     
مهندس أول
                              

‏ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق